أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
28 نوفمبر 2021 10:47 ص
-
سوق العقارات.. أزمة يعيشها العالم والأمر في حاجة إلى إصلاح هيكلي بعد الجائحة

سوق العقارات.. أزمة يعيشها العالم والأمر في حاجة  إلى إصلاح هيكلي بعد الجائحة

اعداد ـ فاطيمة طيبي 

أضافت الجائحة على الاوضاع السيئة  سوءا اكبر،   بفقد الكثيرين وظائفهم و تراجع  مداخيلهم وبالتالي تاخير في سداد الفواتير تضمنها تاخير في سداد الايجار أو الأقساط الشهرية للرهن العقاري.

تدخلت الحكومات إدراكا منها بخطورة الوضع، فحظرت الإخلاء نتيجة عدم السداد، وقدمت بعضها ما عرف بمساعدات الإيجار الطارئة أو تأخير دفع أقساط الرهن العقاري لبعض الوقت.

ـ زيادة المعروض من المنازل أمر ضروري لحل المشكلة:

بعد التعافي من الجائحة  وعودة الحياة تدريجيا لطبيعتها ، بدا يلوح في الافق ان  العالم على أعتاب أزمة عقارات ، اذ ارتفعت  أسعار الوحدات السكنية خلال الربع الأول من 2021، وأدى النقص في المعروض مع الزيادة في الطلب الى ازمة ندرة.

  الاقتصاديون الرافضون للتدخل الحكومي في الشأن الاقتصادي، يطالبون الان الحكومات بالتدخل  اذ اصبح  واضحا للجميع أن الأمر في حاجة  إلى إصلاح هيكلي.

يرى  البروفيسور ديكي كيرك أستاذ التخطيط العمراني في جامعة أكسفورد أن زيادة المعروض من المنازل أمر ضروري لحل المشكلة، خاصة في الدول التي ترتفع فيها تكاليف الإسكان بسرعة، لكنه يعتقد أن المشكلة تكمن أكثر في القدرة على تحمل تكاليف السكن.

ويقول: "في عديد من الدول حتى التي تعاني مشكلة إسكان حادة، لا يوجد نقص في المساكن المؤجرة، لكن المشكلة تكمن في أن الملايين من الناس يفتقرون إلى الدخل اللازم لتحمل ما هو موجود في السوق، فمشكلة القدرة على تحمل تكاليف السكن لا تؤثر فقط في عدد قليل من المدن عالية التكاليف، إنما تنتشر في جميع أنحاء العالم، سواء المدن الأغلى التي لديها أدنى معدلات الإشغال مثل مدينة نيويورك على سبيل المثال أو الأسواق الأقل تكلفة مع معدلات الشواغر المرتفعة، مثل لاجوس في نيجيريا أو إسطنبول في تركيا أو حتى جاكرتا ونيودلهي".

ويشير البروفيسور ديكي كيرك إلى أنه في عديد من الاقتصادات، خاصة الناشئة إن أصغر الوحدات السكنية الأساسية في الأغلب ما تكون غير ميسورة   للأشخاص ذوي الدخل المنخفض جدا، مرجعا ذلك إلى أن تكلفة بناء وتشغيل المساكن تتجاوز ببساطة ما يمكن للمستأجرين ذوي الدخل المنخفض تحمله، حتى لو حدد أصحاب العقارات الإيجارات بالحد الأدنى المطلوب لتغطية التكاليف دون أن يسعوا لتحقيق ربح، فإن الحصول على وحدة سكنية سيظل أمرا غير ميسور بالنسبة للكثيرين من الأسر ذات الدخل المنخفض للغاية ما لم يتلقوا إعانات أو برامج حكومية تسمح لهم بالحصول أو امتلاك وحدة سكنية.

ـ الحل في الدعم الحكومي :

 بالفعل أشارت دراسة أمريكية حديثة إلى أن الدعم الحكومي هو الحل في الولايات المتحدة  لتغطية الفرق بين ما يستطيع هؤلاء المستأجرون تحمله والتكلفة الفعلية للسكن، الحل الوحيد المتاح بالنسبة لما يقرب من تسعة ملايين أسرة منخفضة الدخل  .

 أزمة الإسكان تعاني منها ايضا  الصين وأوروبا   وأمريكا الجنوبية، و إفريقيا و  كل مجتمع يمتلك حلولا متباينة، ابتداء من تحديد سوق الإيجارات إلى فرض ضرائب خاصة على الأملاك والعقارات، اضافة الى دعوات الدولة للاستيلاء على الوحدات الفارغة ، أو تحويل المكاتب الشاغرة  إلى وحدات سكنية. و أيا من هذه الحلول لا سبيل الى تلرجمتها واقعيا.

و في الصين على سبيل المثال بلغت تكلفة الشقة في مدينة شنجن التي تعد النظير الصيني لوادي السيليكون الأمريكي 44 مرة اكثر من راتب ما يتقضاه العامل البسيط .

في كندا كانت شغلت أزمة الإسكان جزءا مهما من حملة رئيس الوزراء جاستن ترودو الذي تعهد بفرض حظر على المشترين الأجانب، مع حظر شراء المنازل لأغراض الاستثمار.

 في كوريا الجنوبية تعرض الحزب الحاكم للهزيمة في الانتخابات البلدية نتيجة ارتفاع متوسط سعر الشقة في سيئول بنحو 90 % منذ   2017 حتى 2021 .

 أما في نيوزيلندا المعروفة بقلة التعداد السكاني ،أسعار المساكن  بها ارتفعت الى  22 %، بينما في هونج كونج، احتفظت المدينة وللعام الـ11 على التوالي بلقب المدينة التي تمتلك أقل سوق للإسكان بأسعار معقولة، حيث سعر المنزل الواحد  20 ضعفا لدخل الأسرة السنوي. كما ان الأوضاع في ألمانيا، إيطاليا، وجنوب إفريقيا   تزداد الأوضاع فيها سوءا وتعقيدا.

ـ تحويل التمويل الإسكاني إلى أداة استثمارية:

الخبير العقاري إف. سي فلوريد يرى أن جزءا من أزمة الإسكان يرجع إلى اشكال التمويل الإسكاني وتحويله إلى أداة استثمارية ما تسبب في زيادة المعروض من الإسكان الفاخر ونقص الإسكان ميسور التكلفة.

ويقول : " قبل الوباء كان الافتقار إلى الإسكان المتوسط يمثل مشكلة رئيسة، فقد تسبب نمو الأبراج الفخمة في جميع أنحاء العالم، بهدف جذب المستثمرين الأجانب، إلى نقص المساكن لذوي الدخل المنخفض والمتوسط

 مع هذا للمعمارية لورين سميث راي اخر اذ  ترى أن الأزمة الإسكانية في أغلب المجتمعات لا يمكن أن تحل من خلال حشد الموارد المحلية فقط، حيث إن هناك دائما حاجة ماسة لجذب الاستثمارات الأجنبية سواء تعلق الأمر بما تقدمه تلك الاستثمارات من تقنية حديثة أو قدرات تنظيمية غير متاحة في الأسواق المحلية أو حتى رؤوس الأموال.

وتؤكد أن المستثمرالأجنبي ليس مؤسسة خيرية أو اجتماعية هدفه تحقيق الربح، ومن خلال استثماره في قطاع الإسكان في دولة ما وعبر تركيز استثماراته على الإسكان الفاخر فإنه يحرر الموارد المحلية لتتخصص في زيادة الوحدات السكنية للفئات الاجتماعية المتوسطة والدنيا، ومن ثم فإن الأزمة لا تتعلق بالمستثمر الأجنبي بقدر ارتباطها بطبيعة السياسات الحكومية التي تنظم قطاع الإسكان.

وتضيف "في الولايات المتحدة حيث ارتفعت أسعار المنازل بنحو 40 %   منذ عام 2000  ، فإن الشخص الذي يعمل 40 ساعة أسبوعيا ويتقاضى الحد الأدنى من الأجور لا يمكنه تحمل تكلفة شقة بغرفتي نوم، هذا الوضع السيئ لا يعود إلى المستثمر  الأجانبي، إنما إلى السياسات التي تحظر على الأحياء السكنية بناء مزيد من الوحدات السكانية الجديدة، والقواعد التي تحدد الحد الأدنى لمساحة البناء أو المتطلبات الخاصة بتضمين عدد معين من أماكن وقوف السيارات لكل مشروع يتم تطويره أو توسعته".

من هنا   يطالب بعض الخبراء بضرورة طرح خطة عمل ذات طبيعة دولية لمعالجة المشكلة في مرحلة ما بعد الوباء، وذلك بوضع مشاريع الإسكان الجديدة في الحسبان عند بدء مشاريع بناء جديدة لا سيما في المدن، مع مزيد من الاهتمام لرفاهية المواطنين بدلا من الرغبة في تحقيق أرباح ضخمة.

ـ  الحل في الجهود الاقتصادية الخاصة:

يرى المهندس جاك راسل أستاذ السياسات التنموية في جامعة لندن أن جزء من المشكلة يمكن حله من خلال الابتكارات العلمية الحديثة وجزء آخر سيتطلب جهود اقتصادية خاصة.

ويقول :" للتغلب على أزمة الإسكان عالميا  لا بد للتكنولوجيا أن تقوم بدور أكبر بكثير من دورها الحالي


  مع الجانب التكنولوجي  هناك ضرورة العمل على أكثر من محور بين القطاع الخاص والحكومات بحيث يتم التنسيق بين الجانبين لضمان رفع الفائدة من الموارد المالية المحدودة والمستخدمة في قطاع الإسكان.  كما يمكن العمل أيضا على إصلاح التباين الحالي بين أسعار المساكن والإيجار، والبحث عن حلول أخرى للسكن في المدن سواء عبر إعادة تخصيص العقارات الشاغرة، أو تحسين روابط النقل لزيادة مساحة الأرض حول المدن". باختصار لا يوجد حلول سحرية قادرة على حل أزمة الإسكان على المستوى العالمي في المدى القصير، تتعدد الحلول المختلفة، الهدف إن لم تفلح في وضع حد للأزمة قد تحول دون تفاقمها على المدى الطويل.




التعليقات