أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
29 يناير 2023 3:11 م
-
"جي بي تي تشات" لن يؤثرمباشرة على الأداء الاقتصادي العالمي بل يؤثرعلى نتائج صواب القرار

"جي بي تي تشات" لن يؤثرمباشرة على الأداء الاقتصادي العالمي بل يؤثرعلى نتائج صواب القرار

اعداد ـ فاطيمة طيبي

برنامج "جي بي تي تشات" شغل الاوساط الاعلامية في الفترة الاخيرة  وفي تقريرخاص عن المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد  مؤخرا في مدينة دافوس السويسرية، جاء انه .."لا يستطيع عمالقة الأعمال الذين يتجولون عبر ثلوج جبال الألب التوقف عن الحديث عن روبوت محادثة من سان فرانسيسكو"، في إشارة إلى برنامج "جي بي تي تشات".

ـ عن البرنامج:

برنامج "جي بي تي تشات"، برنامج أنتجته شركة "أوبن أيه آي" أو "أيه آي" وهما اختصارا لكلمتي الذكاء الاصطناعي، و هذا البرنامج لديه القدرة على تقديم إجابات وردود بشرية مقنعة على الأسئلة التي توجه له.

وقد أثار البرنامج توقعات بشأن الاستخدام المحتمل له ولهذه التكنولوجيا الجديدة، التي لا تخلو مثل غيرها من جوانب سلبية  ، تخوفا من قدرة البرنامج على مساعدة الطلاب في الغش في الامتحانات مثلا ، اوكتابة برامج كمبيوتر ضارة. الا انه  يعتقد خبراء أن هذه التكنولوجيا لديها القدرة على إحداث ثورة في عديد من الصناعات خاصة الصناعات البحثية على الأقل في الوقت الحاضر.

أول الساعين لاقتناص الفرصة كان شركة مايكروسوفت، فبمجرد أن طرحت شركة "أوبن أيه آي" برنامجها الجديد نجحت في جذب أكثر من مليون مستخدم خلال أقل من أسبوع من إطلاق البرنامج، وقررت شركة مايكروسوفت استثمار ما يصل إلى عشرة مليارات دولار في شركة Open AI على مدى عدة أعوام.

 بعض الاوساط العربية ارادت إجراء اختبار بسيط على فاعلية البرنامج وقدرته البحثية وإلى أي مدى يمكن أن يساعد على تنفيذ المهام ، كتب  في المساحة المخصصة للأسئلة نفس السؤال مرة باللغة الإنجليزية ومرة باللغة العربية.  والسؤال كان "كيف يمكن أن يكون برنامج جي بي تي تشات مفيدا للاقتصاد العالمي؟".

وكانت الإجابة باللغة الإنجليزية "يمكن أن تساعد دردشة GPT في تعزيز التعاون بين الشركات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم. يمكن أن يكون البرنامج بمنزلة منصة للشركات والمؤسسات للتفاعل وتبادل الأفكار والمعرفة وتنسيق الأنشطة. يمكن أن تساعد دردشة GPT أيضا في تقليل تكلفة الاتصال الدولي من خلال توفير نظام أساسي آمن وموثوق للتواصل. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد دردشة GPT في زيادة كفاءة المعاملات الاقتصادية العالمية من خلال توفير الوصول الفوري إلى البيانات والمعلومات من جميع أنحاء العالم".

أما الإجابة باللغة العربية فكانت برنامج GPT Chat يمكن أن يساعد الاقتصاد العالمي بتوفير محتوى أكثر تحديدا للعملاء في الهواتف الذكية. ويسمح للعملاء بالتواصل الفوري مع الشركات والمؤسسات، التي تساعدهم على الحصول على المساعدة المطلوبة. يمكن أيضا لبرنامج GPT Chat التعاون مع الشركات لتحسين الخدمات، التي يقدمها العملاء، وبالتالي يسهم في زيادة الطلب على السلع والخدمات في الاقتصاد العالمي. يمكن أيضا لبرنامج GPT Chat المساعدة على تحسين التواصل الإنساني والتعاون بين الشركات والمؤسسات والمشاريع الصغيرة والكبيرة.

بالطبع لم تكن الإجابتان متطابقتين تماما، وبينهما درجة ما من درجات الاختلاف حول طبيعة تأثير البرنامج على الاقتصاد العالمي، كما أن اللغة المستخدمة في الإجابة جافة غير مرنة أو سلسلة، ويجب أن تقرأها مرارا لاستيعاب المحتوى. لكن بلا شك تمنح الإجابة للمتابع خطوطا عريضة وفكرة عامة عن الموضوع. كان أول ما ورد إلى الذهن أن محرك البحث الشهير جوجل بات في خطر، فأخيرا ظهر من يمكنه تحديه، وربما إحالته إلى التقاعد يوما ما. مع هذا ظل السؤال يلح في الذهن، هل يمكن لبرنامج "جي بي تي تشات" أن يكون مفيدا للاقتصاد العالمي؟.

ـ عدم امكانية تحديد اي القطاعات الاقتصادية ستستفيد من البرنامج:

عرض السؤال على البروفيسور ديفيد برتشر أستاذ النظم الاقتصادية في جامعة كامبريدج، والذي يعتقد أن برنامج "جي بي تي تشات" سيكون مفيدا للاقتصاد العالمي "يوما ما" على حد قوله. ولكن أي القطاعات الاقتصادية ستكون أكثر استفادة من غيرها، وأي القطاعات ستتضرر أكثر من غيرها؟ فإن الأمر من وجهة نظره يصعب الجزم به حاليا بشكل قاطع فنحن لا نزال على العتبات الأولى من تأثير الذكاء الاصطناعي عامة على الاقتصاد الدولي.

وقال "ربما تكون البنوك أول القطاعات التي ستستفيد من هذا البرنامج، فالذكاء الاصطناعي يحل محل العاملين في القطاع المصرفي تدريجيا، وبعد أقل من عشرة أعوام لن يقوم أحد بزيارة للبنوك لأن جميع الخدمات المصرفية ستكون عبر الإنترنت، وفي الواقع، فإن البنوك تستخدم بكثافة الذكاء الاصطناعي في أعمالها بل تزيد على كثير من القطاعات الاقتصادية الأخرى.التطور الجديد أن هذا البرنامج يسمح الآن لعملاء البنوك باستخدام الذكاء الاصطناعي، وليس فقط البنوك".

تتفق المهندسة أيدن آدم الباحثة في مجال الذكاء الاصطناعي مع فكرة أنه من المبكر للغاية استشراف جميع الأبعاد الاقتصادية لبرنامج "جي بي تي تشات"،  وتوضح   أن البرنامج الجديد خطوة في مسار طويل من تأثير الذكاء الاصطناعي على كل مناحي الحياة بما في ذلك الاقتصاد، وفي المراحل الأولى قد لا يكون التأثير مباشرا وملموسا أو ذا طابع مؤثر في الاقتصاد العالمي ككل، وإنما يمكن أن يؤثر ولو بشكل طفيف وغير محسوس على الحياة الاقتصادية اليومية للبشر في بعض المجالات.

وهناك عديد من المعاملات المالية ذات الطابع اليومي، بعضها ممل، ويمكن أن يؤدي نسيان القيام بها إلى تعرضك لغرامة مالية، مثلا عدم دفع ثمن ركن سيارتك في موقف للسيارات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بذلك بدلا منك، هناك أيضا معاملات مالية ذات طبيعة معقدة مثل الحسابات الضريبية، وهنا يمكن لبرنامج "جي بي تي تشات" وفي مراحل متقدمة من برامج الذكاء الاصطناعي الأخرى أن تساعدنا على حل تحديات المعاملات المالية المعقدة".

مع هذا يعتقد بعض الخبراء في مجال الإدارة بأن برنامج "جي بي تي تشات" لن يؤثر مباشرة في الأداء الاقتصادي العالمي، وإنما سيكون تأثيره ناجما عن البصمة، التي سيتركها على قرارات رؤساء مجالس الإدارات عند اتخاذ قراراتهم، سواء في زيادة أو تقليص معدلات التوظيف أو الاتجاهات الاستثمارية، التي سيسلكونها، أو غيرها من القرارات المصيرية والحساسة، فالنسخة الراهنة من البرنامج متطورة لدرجة أنها تتمتع بالقدرة على كتابة مقالات متماسكة، وإنشاء مستندات قانونية سليمة، والتفاعل مع البشر عبر محادثة سليمة ومقنعة.

وتقول الدكتورة آريا آدم، أستاذة الإدارة العامة، في مدرسة لندن للاقتصاد "يمكن أن يكون هذا البرنامج أداة تساعدنا على أن يكون تفكيرنا أكثر منهجية عند مجابهة تحديات الأعمال، والنظر إلى الموضوعات المختلفة بشكل أعمق وأكثر اتساعا، والابتعاد نسبيا عن النظرة والتقييم الشخصي عند اتخاذ القرار، ومن ثم يتم توسيع دائرة الرؤية بما يسمح باتخاذ قرار أكثر دقة وصوابا، فمثلا سؤال دائما ما يواجه رؤساء مجالس الإدارات وقادة الأعمال، ما الذي يجب مراعاته عند إعادة هيكلة الشركة؟ ربما خبرة رؤساء مجالس الإدارات والمعززة بالنتائج التي يمدنا بها برنامج مثل جي بي تي تشات ستؤدي إلى نتائج تخرجنا من تحيزاتنا المسبقة، التي تؤثر في مدى صواب القرار المتخذ".

لكن الدكتورة آريا آدم تشير إلى نقطة شديدة الأهمية، حيث قالت "ما يهم حقا هل مثل تلك البرامج المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تزيد من قيمة الخبرة البشرية أم تحل محلها، هذا هو التحدي الذي نواجهه".

تلك النقطة تحديدا تفتح الباب على مصراعيه لجدل لم يحسم بعد حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتوظيف، فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم عمليات البيع بالتجزئة وزيادة الأرباح وتحسين العمليات التجارية بخفض التكاليف وتحسين سلاسل التوريد، وتحتاج شركات البيع بالتجزئة إلى إعطاء الأولوية للربح والإنتاجية لتظل قادرة على المنافسة، ومن المتوقع أن تزداد خدمات الذكاء الاصطناعي في قطاع التجزئة من خمسة مليارات دولار إلى أكثر من 31 مليار دولار بحلول 2028، لكن في الوقت ذاته تزداد المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف في قطاع البيع بالتجزئة.

وهنا تحديدا تكمن خطورة برنامج مثل "جي بي تي تشات" وغيره من برامج الذكاء الاصطناعي، التي يتوقع أن تتكاثر بشكل كبير في الأعوام القادمة، وأن تكون أكثر تطورا وتنوعا من برنامج "جي بي تي تشات"، فكل تلك البرامج من الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى تقليص أو تهميش الوظائف الدنيا ذات الطابع الرتيب والروتيني.

وقد ذكر تقرير عن الخدمة المدنية في المملكة المتحدة أنه "من المتوقع حدوث انخفاض كبير في صافي التوظيف في مجالات البيع بالجملة والتجزئة والتمويل والإدارة العامة على المدى القصير والمتوسط". باختصار سيعمل الذكاء الاصطناعي وبرامج مثل "جي بي تي تشات" على القضاء على الوظائف التي لا تتضمن إبداعا أو ابتكارا في تأديتها.

لكن ما يبعث الطمأنينة في النفوس حاليا، على الرغم من أن هذا لن يدوم كثيرا، فإن برامج مثل "جي بي تي تشات" غير قادرة على القيام بالمهام التي تتطلب العديد من درجات الحكم البشري. فلا يزال برنامج "جي بي تي تشات" بمنزلة مدير تنفيذي مبتدئ يمكنه أنه يخبرك بما يراه في الجدول أو الرسم البياني الموجود أمامه، لكنه لن يتفاعل معك بقوة إذا سألته عن الأسباب وراء تلك النتائج، أو لو طرحت عليه سؤالا من قبيل ماذا سيحدث لو قمنا بإلغاء قسم العلاقات العامة في الشركة وزدنا عدد الوظائف في قسم الاتصالات، ففي مثل تلك النوعية من القرارات لا يزال البشر يتمتعون بقيمة مهمة إلى الآن على الأقل.

في هذا السياق، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يدرك حدوده، إذ يمكن للتكنولوجيا الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والاستثمارات والأسهم، لكنها تشجع مستخدميها على طلب المشورة من مستشار إذا كانوا يريدون توصيات مخصصة.

 وفي الواقع عندما وجهنا السؤالين التاليين لبرنامج "جي بي تي تشات" كانت الإجابة تساعد على فهم المشهد العام عامة بطريقة منطقية، لكن مع التأكيد بضرورة الاستعانة بالخبراء عند اتخاذ القرار النهائي.

 

 


أخبار مرتبطة
 
21 فبراير 2024 3:28 ممنح البيت الأبيض لشركات أمريكية للهيمنة على صناعة الرقائق وسط سوق تنافسية20 فبراير 2024 3:47 مالتجارة : معدلات الصادرات خلال شهر يناير الجاري تجاوزت نظيرتها في 2022 و202319 فبراير 2024 1:33 ممصر توقع برنامج العمل السنوي مع المؤسسة الإسلامية لتمويل التجارة بقيمة 1.5 مليار دولار18 فبراير 2024 2:20 متباطؤ نمو الطلب العالمي على النفط إلى 1.2 مليون برميل يوميا في عام 202414 فبراير 2024 2:22 مشعبة الدواء المصرية: 146 مليار جنيه قيمة الاستهلاك للدواء 2023 بزيادة 25% عن 202213 فبراير 2024 2:30 مدويتشه بنك: سعر الصرف عرض وليس السبب في الأزمة التي تمر بها مصر12 فبراير 2024 1:28 مانطلاق القمة العالمية للحكومات 2024 نحو "استشراف حكومات المستقبل"11 فبراير 2024 3:02 مالمؤتمر السنوي للجمعية المصرية لخبراء الاستثمار7 فبراير 2024 3:08 مبداية رحلة تعافي الجنيه المصري في اول الطريق6 فبراير 2024 1:53 مالشريحة الدماغية للتحكم بالهاتف والكمبيوتر وأي جهاز تقريبا بمجرد التفكير

التعليقات