أبحاث


الفيس بوك
 
كتب فاطيمة طيبى
8 سبتمبر 2020 1:27 م
-
سباق محموم لاقتحام الفضاء وإنشاء منطقة اقتصادية فضائية بين الأرض والقمر بحلول 2050

سباق محموم لاقتحام الفضاء وإنشاء منطقة اقتصادية فضائية بين الأرض والقمر بحلول 2050

اعداد ـ فاطيمة طيبي  

 عالم الفضاء وتقنياته لا يزال حصرا على عدد محدود من الدول التي تمتلك التكنولوجيا القادرة على إطلاق صواريخ أومركبات أو أقمار صناعية إلى الفضاء الخارجي.

ـ الصين ودخول المنافسة :

وتعد الصين واحدة من الدول القليلة التي انضمت إلى نادي النخبة، التي ترتاد عالم الفضاء، ونظرا إلى معرفتها بالأهمية المستقبلية لهذا العالم، فإنها تعمل بقوة على سد الفجوة التكنولوجية القائمة بينها وبين الدول الأكثر تقدما في هذا المجال.


ويعود جزء من الاهتمام الصيني بهذا العالم، بالطبع إلى ما يحققه لها من مكانة دولية، ويضفي إيجابية على الموقف الدولي منها، لكن جزءا آخر لا يقل أهمية وربما يتعلق أساسا بالإمكانات الاقتصادية الهائلة لعالم الفضاء، والأرباح المالية الممكن تحقيقها من الاستثمار في هذا المجال المعرفي.

الإطلاق الناجح لـ"سبوتنيك 1" من قبل الاتحاد السوفياتي في أكتوبر1957 أدى إلى حقبة جديدة من التسابق الدولي لتطوير وإطلاق الأقمار الصناعية، وبعد أشهر معدودة تحديدا في يناير 1958 كانت الولايات المتحدة تطلق "إكسبلورر"، كما شهدت الأعوام التالية إطلاق فرنسا واليابان أقمارا صناعية إلى المدار الخارجي، ومع إطلاق "دونج فانج هونج 1" – الشرق أحمر 1- في أبريل 1970، دخلت الصين نادي النخبة الفضائية لتكون الدولة رقم خمسة التي تطلق قمرا صناعيا إلى المدار.

ـ حرب الصواريخ :

وطوال الحرب الباردة، كان النشاط الفضائي تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وبين عامي 1957 و1991 أطلق الروس 2309 صواريخ إلى الفضاء الخارجي، بينما لم يطلق الصينيون خلال الفترة نفسها غير 28 صاروخا فقط، وأطلق جميع دول العالم 225 صاروخا، لكن الحقبة التي تلت نهاية الحرب الباردة شهدت تزايد أهمية الصين كلاعب فضائي.


ويقول المهندس توم كين إخصائي أجهزة الاختبار الفضائي من شركة فور لينكس البريطانية لمعدات الفضاء "بين عامي 2010 و2019 أجرت الصين 207 عمليات إطلاق، أي أكثر من مرة ونصف من عدد عمليات الإطلاق التي نفذتها في الـ40 عاما الماضية، وبين عامي 2018 و2019 أجرت الصين أكثر من خمس إجمالي عمليات الإطلاق التي قامت بها، وفي عام 2018 أطلقت الصين 38 صاروخا في الفضاء الخارجي".

ومع هذا فان عمليات الإطلاق ليست المقياس الوحيد لقياس النشاط الفضائي، فالحمولات التي تشمل الأقمار الصناعية والمسابر الفضائية والمركبات الفضائية معيار آخر لقياس النشاط الفضائي.

ويشير المهندس توم كين إلى أن التكنولوجيا المحسنة أدت إلى تقليل حجم الأقمار الصناعية، وغالبا ما تحمل الصواريخ الآن حمولات متعددة لكل عملية إطلاق، وبين عامي 1992 و2019 احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى بـ1763  حمولة، تليها روسيا بـ840 حمولة والصين الآن في المرتبة الثالثة 480 حمولة، لكن الهند عام 2017 حققت إنجازا تاريخيا إذ سجل صاروخ هندي رقما قياسيا لإطلاق 104 أقمار صناعية بنجاح في وقت واحد.

هذا المجهود الصيني لغزو عالم الفضاء، والسعي لأن تكون في المقدمة أو ضمن النخبة الدولية في هذا المجال، تحركه أيضا دوافع اقتصادية من منطلق دعوة بعض العلماء إلى أن تكون منطقة الأرض والقمر والمريخ كيانا اقتصاديا واحدا.

ـ الاقتصاد الجديد :

ويشير بعض التقديرات إلى أن مثل هذه المنطقة يمكن أن توفر اقتصادا بقيمة عشرة تريليونات دولار سنويا، ما يحفز سباقا محموما بين الدول للمشاركة في تلك المنطقة، ويتضح الاهتمام الصيني بالطابع الاقتصادي لغزو الفضاء، فيما يطرحه باو ويمين مدير لجنة العلوم والتكنولوجيا في المؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء الجوي، إذ اقترح إنشاء منطقة اقتصادية فضائية بين الأرض والقمر بحلول عام 2050، ويتوقع أن يكتمل العمل الأولي الذي يدرس جدوى إنشاء مثل هذه المنطقة بحلول عام 2030، وسط توقعات بأن تنشئ الصين نظام نقل فضائي بحلول عام 2040،


لكن هل تستطيع الصين المضي قدما في مشروع طموح كهذا..؟

يعتقد الدكتور كولين دينش أستاذ الاقتصاد الآسيوي في جامعة أكسفورد أن الطموح الصيني يمثل تحديا اقتصاديا ضخما في حد ذاته.

ويقول :"لا بد من النظر إلى القدرات الفضائية الحالية للصين لفهم مسار نموها المستقبلي، والتجربة أثبتت أن الصين قادرة على تنفيذ مشاريع علمية ضخمة، وكذلك المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية، لكن مشروعا بهذا الحجم يعد غير مسبوق من حيث القدرات التكنولوجية والمالية، وسيتطلب إمكانات صناعية خاصة جدا، كما سيكون في حاجة إلى دعم سياسي لأجيال قادمة".

ويضيف "من السابق لأوانه مناقشة فاعلية هذا المشروع، لأنه لا يزال في مراحله الأولى، وقليل من التفاصيل معروف عنه حاليا، ومن الصعب الجزم بأن الجدول الزمني الذي وضعته الصين واقعي، والمشروع طموح للغاية، لكن هذا لا ينفي أنه على الأمد الطويل سيصبح جزءا من جدول أعمال التنمية الاقتصادية للصين".

ويرى دينش أنه إذا حدث هذا فمن المؤكد أن الصين ستحاول ببطء إملاء قواعد السلوك لاستكشاف الفضاء مستقبلا، خاصة أن المضي قدما في مشروع بهذا الحجم، يعني رفع مكانة اقتصاد الفضاء كمشارك في الاقتصاد القومي الصيني.

ويتضح الحرص الصيني على إدماج المشاريع الفضائية المستقبلية ضمن هيكلها الاقتصادي العام بشكل تدريجي ومتأن، لكنه واضح المعالم في الوقت ذاته، عند النظر إلى مبادرة الحزام والطريق، التي تعد المشروع المركزي لدى القيادة الصينية، إذ يجسد المشروع طريق الحرير القديم الذي كان طريقا تجاريا يربط الصين بأوروبا عبر البر والبحر.

والمبادرة الصينية تتضمن تطوير البنية التحتية لدفع الاستثمارات في دول أوروبا وآسيا وإفريقيا، لكن المشروع الصيني لا يقتصر على عملية الربط عبر البر والبحر فقط، فهناك عنصر رقمي وآخر فضائي ضمن البنية الأساسية للمشروع، وتعد جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية العامة له.

ـ الاستثمارات الصينية الاستراتيجية:

تعد الحكومة الصينية المستثمر الرئيس في هذا القطاع الاستراتيجي، واستثمرت بشكل كثيف في مجال البحث والتطوير، إذ ارتفع إنفاق الصين على البحث والتطوير من أجل تصنيع المركبات الفضائية من 23 مليون دولار فقط عام 2000 إلى 387 مليون دولار أمريكي عام 2016، كما ارتفعت إيداعات براءات الاختراع من صناعة المركبات الفضائية من عشرة تطبيقات عام 2000 إلى 632 تطبيقا عام 2016.


ومن حيث الإنفاق الحكومي على الأنشطة الفضائية الإجمالية يعلق آدم تشارلز الباحث في الشؤون الصينية قائلا "احتلت الصين المرتبة الثانية عالميا عام 2018 إذ أنفقت على الأنشطة الفضائية 5.8 مليار دولار أمريكي، لتتجاوز روسيا التي أنفقت 4.2 مليار دولار وفرنسا 3.2 مليار دولار، بينما احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى بفارق كبير عن الآخرين إذ أنفقت 40.1 مليار دولار".

لكن النخبة الدولية التي تحتكر علوم الفضاء تدرك الآن أن التمويل الحكومي ليس سوى جزء واحد من الاقتصاد الفضائي الكلي، إذ يتوقع أن تنخفض المساهمات الحكومية في عالم الفضاء مع القفزات الكبيرة لصناعة الفضاء التجاري وتزايد أهميتها.

وفي هذا السياق أشار تقرير لبنك مورجان ستانلي، إلى أن صناعة الفضاء العالمية قدرت بـ340 مليار دولار عام 2016، وأقل قليلا من 25 في المائة من الإجمالي يأتي من الحكومات، وبحلول عام 2040، ستتجاوز قيمة صناعة الفضاء تريليون دولار، بينما ستمثل برامج الفضاء الحكومية نسبة 17.2 في المائة فقط.

وفي هذا السياق تعمل الصين على محورين:

ـ  الأول:  يتعلق بخفض تكاليف صناعة الفضاء لديها عبر تطوير تكنولوجيا فضاء قابلة لإعادة الاستخدام، على أمل أن يؤدي ذلك إلى خفض التكلفة ومن ثم المنافسة تجاريا خاصة مع الهند.

ـ المحور الثاني:  يشير إليه الدكتور بيتر ديفيد من شركة إيفكتيف إسبيس البريطانية للصناعات الفضائية قائلا "تعمل السلطات الصينية بشكل تدريجي وملموس على إدماج القطاع الخاص في القطاع الفضائي، سواء لتفادي العقبات البيروقراطية الناجمة عن اتساع نطاق الاستثمارات الحكومية، أو للاستفادة من رؤوس الأموال الخاصة، وتتجاوز أعداد الشركات الصينية التي تعمل في مجال الفضاء حاليا 100 شركة أغلبها شركات ناشئة".


ويضيف "شركة لينك أسبيس أول شركة صينية خاصة أجرت ثالث اختبار لصاروخ RLV-T5 القابل لإعادة الاستخدام في أغسطس من عام 2019، وتأمل أن تواصل خفض تكاليف الإطلاق بشكل كبير مستقبلا، مع هذا يمكنا القول إن صناعة الفضاء الصينية لا تزال وليدة مقارنة بنظيرتها الأمريكية، والقطاع الخاص الفضائي الأمريكي من التفوق بحيث يصعب على نظيره الصيني أن يتحداه".

ربما يكون إدراك الجانب الصيني هذا القصور سببا في حرص السلطات الصينية على تعزيز الاندماج المدني  العسكري لتسهيل نقل التكنولوجيا الدفاعية من الجيش إلى القطاع الخاص التجاري، وبالفعل فعديد من التقارير الموثوق بها يشير إلى أن الشركات الصينية الناشئة في مجال الفضاء تستفيد من الدعم الذي تحصل عليه من الصناعات العسكرية والدفاعية المملوكة للدولة، وتأمل بكين أن يسمح ذلك لصناعة الفضاء التجارية لديها بالنضج والمساهمة بقوة في تحقيق أهداف الصين طويلة المدى في عالم الفضاء ودفعها إلى الأمام.

 

 


أخبار مرتبطة
 
منذ 6 ساعاتهيئة أعمال مجموعة العشرين: 5 تريليونات دولار قيمة التراجع في تمويل التجارة العالميةمنذ 8 ساعاتقيادات البنوك : تراجع معدل التضخم والرغبة فى تنشيط حركة الاستثمار، اسباب إيقاف شهادات الـ 15%28 سبتمبر 2020 12:17 ممجموعة "أوبك +" : الإسهام في تصحيح أوضاع أسواق النفط العالمية عبر تخفيض20 % من إنتاجها.27 سبتمبر 2020 2:14 م"أونكتاد": النظر في كيفية اختيار سياسات تضمن تحقيق انتعاش أكثر شمولا للاقتصاد العالمي الهش23 سبتمبر 2020 2:56 متدهورالعلاقات التجارية بين أمريكا والصين في عهد ترمب رغم توقيع المرحلة الأولى من الاتفاقية التجارية22 سبتمبر 2020 2:29 ممصر.. التوقيع على اتفاقية "غاز شرق المتوسط"22 سبتمبر 2020 12:42 متراجع قيمة العملة الأمريكية يهدد باشتعال حرب عملات شاملة في العالم21 سبتمبر 2020 1:42 مالرقابة توافق على مشروع قانون تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة غير المصرفية20 سبتمبر 2020 11:54 صالمالية: التعديلات الجمركية تستهدف تعميق الصناعة المصرية وزيادة القدرات الإنتاجية، وتوسيع القاعدة التصديرية16 سبتمبر 2020 12:56 مالأعمال الأفارقة: تأسيس كيان لجمع رجال أعمال إفريقيا للوصول بالتجارة البينية إلى 30 مليار دولار

التعليقات